|
حياة المسيحية في العصور الأوائل تنكشف لنا بشكل واضح من خلال البقايا ( تحت حطام ) المدن المائتة في شمال سوريا. هذه المدن تشكل وحدة متكاملة من 820 نواة من السكان الذين ينتمون تبعاً للتوقيت الزمني من القرن الثاني و حتى القرن السابع من الحقبة المسيحية .
هذه البقايا من المدن : حلب ، أفاميا و أنطاكيا ، تمتد مساحة أي 8500 متر مربع . بقيت مهملة منذ القرن السابع . هذه الآثار التي تحمل في ثناياها سمات حضارة مسيحية ، قد لا تكون معروفة كفاية و لكنها ما برحت تغدق بأفضالها و تأثيراتها على طوال ساحل البحر الأبيض المتوسط بأكمله .
بغض النظر عن بقايا بومبيا ، تلك المدينة الإيطالية التي دفنت في عام 79 إثر انفجار جبل فسوفيو Vesovio ، مما يؤكد لنا بشكل غير مثير للجدل أن الثروة الحضارية الحقيقة هي تلك المخبأة و المحافظ عليها في المدن المائتة . إن ما بقي عندنا من تلك المدن هو ما تحمله من أثاث: من بلاكين و حوانيت ، كراسي حجرية ، مغاسل ، إسطبلات، أوعية و أواني لحفظ الزيت و النبيذ ، المخازن و المقابر العائلية. كل ما عثر عليه هو من حجر. على مدخل أحد البيوت نشاهد كتابة مضمونها صلاة لله ، محتواها ما يلي : " يا رب، احفظ هذا البيت و كل من يسكن فيه. آمين ". وفي دير سنبل نقرأ : " للمسيح الرب النصر ، اهرب يا إبليس! ".
هناك مئات من الكنائس التي عثر عليها في تلك الحقبة و منها ما تم الاحتفاظ عليه بأحسن حالة،على سبيل المثال : بازيليك القديس سمعان العمودي ، ذات الشهرة و التي شيدت في القرن الخامس إكراماً لهذا القديس السرياني. هذه الكنيسة صممت أصلاً لاستقبال الحشود من الحجاج. لقد تم بناء تلك البازيليك على شكل مثمن و صليب بيزنطي، أما في الوسط فنجد عمود ذاك الناسك القديس . هذه الكنائس تعلن على الملأ أمجاد الحياة الإيمانية لأوائل السكان." عدد الكنائس في سوريا – كتب أ. غرابار – بين القرون 5-6 ما يزيد على كل أقاليم الإمبراطورية " الرومانية في تلك الحقبة ". بالإضافة إلى الكنائس العددية، نجد أيضاً ما بين بقايا تلك المدن المائتة مئات من الأديرة . إنه من النادر ما يتم العثور على نواة حياة بشرية بدون أديرة من حولها. إن الحياة في الدير كانت منذ نشأتها ذات نمط يتسم بالبتولية، أي إنها حياة مكرسة لله بدون زواج . لا يمكننا أن نسى كيف أن الرهبان هم أول من كان لهم الفضل بالتبشير بالمسيح في العالم الوثني. على سبيل المثال لا الحصر ، نذكر منطقة جبل باريشا، التي تبلغ مساحتها 210 كم مربع ، تحتوي على عدد من 63 ديراً، مع ما يقارب 800 من الرهبان. ماذا عن الفن السرياني الذي نلاحظه في المدن الراقدة، هل اختفى بشكل نهائياً في القرن السابع بدون أن ينقل غناها و حيويتها إلى الأجيال اللاحقة؟ بدون أدنى شك ، إن الدور الذي لعبه الفنانون السريان ن في صنع الفن ما قبل الإسلام، هو بارز و فعال إلى حد أنه أثر في صنع فنون الحضارة الأوربية المتواجدة في فن ما قبل الرومانطيقية. و لكن كيف وصل إلى الغرب اللاتيني ؟ تم ذلك بواسطة تبادل التجارة الحرة ، بالإضافة طبعاً إلى الديانة .
|