|
يكشف القديس لوقا الإنجيلي في وصفه لاهتداء شاول, عن وجود جماعة مسيحية في دمشق.
إنها الجماعة الأولى من المسيحيين خارج فلسطين و بحسب ما جاء في أعمال الرسل, لربما كان لها وجود قبل الجماعة (المسيحية) في إنطاكيا. بعد خمس أو ست سنوات فقط , من صعود الرب نجد جماعة يهودية مسيحية في دمشق , ملتفة حول قائدٍ ذي جاذبية قوية يدعى ( حنانيا) و تُعرّف نفسها بعدة أسماء : أتباع الطريق, التلاميذ، الذين يستشهدون باسم الرب, القديسون, الإخوة .. كشف كاتب سير القديسين نقطة أخرى و هي اسم حنانيا. أنه القائد الروحي الأول لجماعة تذكر كر باسمه الشخصي, خارج القدس و حولها. من كانت هذه الشخصية ؟ الشيء الوحيد الذي نعرفه عنه هو أنه كان تلميذاً رحمياً, ذا سمعة طيبة , تقي, يخاف الله , و لربما كانت له رؤى وزيارات إلهية. حاكت الأسطورة ما نقص من سيرة حياته. لقد قيل أنه كان واحداً من الاثنين و السبعين تلميذاً, و كان من سكان دمشق و أن الرسل أوصوه بالعودة إلى هناك. و يقال أيضاً أنه بشر بالإنجيل في سوريا كما في دمشق , و لأنه كان مضطلع باللغة اللاتينية , كان حاضراً عندما شهد القديس بولس أمام قائم مقام القنصل " فيلكيس" و يُروى أنه اعتقل و حكم عليه بالموت, الحاكم الروماني , ليشيانوس موشيانسو و أنه رجُم حتى الموت خارج المدنية. وبُني نصب تذكاري فوق قبره و دير في وقت لاحق . و قد ذُكر الدير مراراً من قبل كُتاب عرب من العصور الوسطى.
اتخذ القديس بولس , رسول الأمم الوثنية, تميز حنانيا و جماعته المسيحية إنهم لم يقبلوه في حضن الكنيسة و حسب بل عاملوه كأخ حقيقي, بمساعدته و الدفاع عنه.
و حتى خلال الظروف المتغيرة للعصور, حافظت الجماعة المسيحية في دمشق على ذكرى مؤسسها حية. و حُوّل بيته إلى مكان مقدس للعبادة الدينية . و لطالما ذكر بأن البيت يقع في القسم الشرقي من المدينة في نقطة هي منتصف الطريق بين باب توما و باب شرقي. في هذا البيت اعتادت الجماعة المؤمنة الصغيرة ان تجتمع حول قائدها الروحي لتتأمل في الإيمان و تحتفل فيه بكسر الخبز. انه لمن المؤكد لكونه مهتدٍ جديد , اعتاد شاول يحضر عشيات ( سهرات) الآحاد باهتمام كبير . و بعد استشهاد القديس حنانيا, استمرت الجماعة بالتقاء في منزل شفيعها بتقوى. و على الأرجح و بسب هذه اللقاءات فلقد قررت السلطات الرومانية في عهد الإمبراطور هدريان ان تحول البيت الى معبد وثني قاد عالم الآثار " س . يوستاك دي لوري" عام 1921 حملات للكشف عن الآثار في المكان المسمى حنانيا و وجد قطعة من معبد وثني تعود الى القرن الثاني أو الثالث بعد الميلاد مكرسة لإله دمشق ( السماوي), الذي من المرجح أنه الإله الآرامي ( بعل شاما يم) . من المعروف ان الإمبراطور هدريان أمر ببناء معابد وثنية فوق الأماكن الأكثر تقديساً من المسيحيين ( كما في بيت لحم, و في كنيسة القيامة و الجلجلة و كنيسة القديس يوحنا المعمدان في عين كارم) بهدف محو هذه الأماكن من الذاكرة و لإبعاد أتباع يسوع .
حالما حصل المسيحيون على مكانتهم كمواطنين وسُمح لهم ببناء أماكن العبادة الخاصة بهم, بنوا كنيسة ضخمة فوق الصرح الوثني الذي حل مكان بيت حنانيا . وجد عالم الآثار الموهوب جزء نصف دائري من كنيسة وعدة أعمدة و أشياء أخرى متنوعة مرتبطة بالعبادة المسيحية , و أعتمد عليها للتقدير بأن الكنيسة قد بُنيت ما بين القرنين الخامس و السادس. و غالباً ما يشير الكتاب العرب و المسلمون إلى هذه الكنيسة بتسميتها " المصلبة" ( الصليب المقدس) و يكتب ابن عساكر عام 1105 بأن هذه الكنيسة تقع بجانب الأسوار فيما بين البابين الشرقيين , بابا توما و بابا شرقي و أنها دُمرت حوالي عام 700 ميلادية . بعد عدة سنوات و يُصرح كاتب مسلم آخر بأن الخليفة الوليد وهَب كنيسة الصليب بدلاً من الكاتدرائية, حيث بني مسجداً عظيماً . و لتوضيح الفارق البسيط بين هذين التقريرين أقترح التفسير التالي : هدم قسم من الكنيسة من قبل الوليد نفسه و تم تحويل القسم الآخر إلى مكان عبادة المسلمين. و بالرغم من ذلك ليسترضي المسيحيين بعد الاستيلاء على كاتدرائيتهم , أعاد لهم الخليفة الكنيسة بأكملها, التي أعيد بناؤها بعد ذلك و استعملت حتى نهاية القرن الثاني عشر عندما حولها صلاح الدين مرة أخرى إلى جامع .
وروى الفرنسيسكاني نيكولودي بوجييوني ( 1345 ) بأن الكنيسة القديمة قد حُولت إلى جامع. " بونيغاسيودي راجوزا" الذي زار دمشق في القرن السادس عشر , يقول بأن المرء نزل الى هذا المصلى بوساطة عدة درجاتز و يشير " فيلاموت" في كتابه عن بيت حنانيا عام 1628 إلى وجود كنيسة , و يقول بأن جزء منها يعود للمسيحيين و الباقي للأتراك,و بأن كلا الجماعتين تذهبان هنالك للصلاة , كل منها بحسب عاداته و أسلوبه .و يصرح "كاستيللو" 1630 بأن المكان كان مبجلاً من المسيحيين و المسلمين . بإضاءة عدة مصابيح حيث كانوا يصلون بتقوى شديدة و يحضرون المرضى كي يشفوا. و مع بداية القرن السابع عشر يصف الأب " كواريزمو" مكان مصلى الجامع, قياسه 20 قدماً طولاً 10اقدام عرضاً, و يتم الدخول إليه بنزول مجموعة من الدرجات و يشير الى أنه مزخرف بنافذتين مستديؤتين في القسم العلوي. و يضيف بان المسلمين أرادوا بناء مئذنة و لكنها انهارت حالما تم الانتهاء منها. و هذه التفاصيل تساعدنا لنفهم , شيئاً فشيئاً, بأن المسيحيين استطاعوا بأن يشغلوا مرة أخرى على المصلى الذي كان بالسابق جزء من الجامع . و مع مرور الوقت, تلف كل من المصلى و الجامع بشكل كبير و بحلول عام 1814 أصبحاً كوماً من الأنقاض, و في نفس السنة اشترى فرنسيسكان باب توما الموقع , و أعادوا بناء المصلى و افتتحوه مرة أخرى للعبادة الدينية . و هُدم البناء عام 1860 و أعيد بناؤه و تم ترميمه أخيراً في سنة 1973 .
و تعاقب الأبنية الدينية في الشرق من الملل المختلفة و في نفس المكان و ان هذا لعلامة أكيدة لصحة التقليد المرتبط بذلك المكان . و الحفريات التي قام بها " سي. إس.دي لوري " أعطت تأكيداً أثرياً لهذا التقليد و أثبتت بأن الأثر الجدير بالتصديق لخطى القديس بولس في دمشق هو بيت حنانيا .
|