|
القديس حنانيا هو إحدى الشخصيات التي ورد ذكرها في الكتاب المقدس. فأعمال الرسل يقدمه لنا كمواطن دمشقي من أصل يهودي. ولما عمد حنانيا شاؤول الطرسوسي كان قد سبق وتنصر، وقد كان رأساً لكنيسة دمشق الفتية ولهذا كشف له الرب يسوع عن مصير رسول الأمم. إن مجد القديس حنانيا الأعظم في أنه قبل بالتحديد في كنيسة المسيح شاؤول مضطهد المسيحيين وعلمه وثبته في الإيمان. يقدم لنا التقليد حنانيا كواحد من تلامذة المسيح الاثنين والسبعين وقد أرسله القديس بطرس إلى دمشق حتى قبل رجم القديس استفانس، ورسم أسقفاً عليها. استشهد حنانيا رجماً بالحجارة في الأول من تشرين الأول خارج أسوار دمشق ثم قام تلامذته بنقل جثمانه ووري الثرى داخل أسوار المدينة. هذا وتحفظ ذخائره منذ القدم في كنيسة بازيليك القديس بولس في روما.
بيت القديس حنانيا حدد موقعه على الدوام في دمشق القديمة، ومنذ زمن شيد فوق هذا البيت كنيسة كبيرة تعود إلى القرنين الخامس والسادس الميلاديين أي قبيل الفتح الإسلامي. وقد عرفت هذه الكنيسة عبر العصور باسم كنيسة الصليب أو بالأحرى المصلبة ، وهي من بين إحدى الكنائس التي أذن وليد الأول للمسيحيين بها بدلاً من الجامع الكبير. في عام 1921 قام الكونت الفرنسي اوستاش دو لوريه بحفريات أثرية في هذا المكان نجم عنها اكتشاف إحدى حنيات الكنيسة، وجزء من بيت العماد وأثريات أخرى تتفرد بها الكنيسة البيزنطية. وعلاوة على ذلك فلقد أظهرت أعمال تنقيب هذا العالم الفرنسي ان هذه الكنيسة قد حلت محل معبد وثني لطالما عثر على كتابة باليونانية تتعلق بإله دمشق السماوي إضافة إلى هيكل وثني يرجع إلى القرن الثاني الميلادي. إن اكتشاف معبد وثني في مكان عبادة مسيحي ليس بالأمر الغريب، فنحن نعرف أن الإمبراطور أدريانوس (117-138) الذي أقام في دمشق لسنوات عدة كان قد شيد معابد وثنية فوق الأماكن المقدسة في القدس وبيت لحم. وبالتالي فإن وجود معبد وثني في هذا المكان ما هو إلا إثبات لحقيقة وجود موقع مسيحي. وما يؤكد لنا على حقيقة وجود الكنيسة هو ما كتبه المؤرخ العربي ابن عساكر الذي يحدد موقعها قرب السور بين باب توما والباب الشرقي. وعن بيت القديس حنانيا يحدثنا أيضاً الراهب الفرنسيسكاني بوجيبونسي الذي زاره عام 1347 قائلاً أنه على أيامه تحولت الكنيسة إلى مسجد. مع بدايات القرن السابع عشر يصف لنا الراهبان الفرنسيسكانيان الأب كواريسميو والأب انطونيو كاستيلو، وبالتفصيل بيت حنانيا الواقع في الطرف الشرقي للمدينة والمكون من بيت تحت الأرض ينزل إليه عبر باب ضيق ودرج، وأنه يلقى تكريماً عظيماً من الأتراك (عرب المدينة المسلمين) والمسيحيين، فالأتراك مالكوه كانوا يضيئون فيه العديد من القناديل.
تمكن مسيحيو دمشق شيئاً فشيئاً من استملاك جزء من المسجد وحولوه إلى كنيسة مسيحية. ومع الزمن تهدم البناء بقسميه المسيحي والمسلم وبقي على ما هو عليه إلى أن قام في عام 1820 رهبان باب توما الفرنسيسكان باستعادة القسم المسيحي وإعادة بنائه، واضعين في جدرانه أحجاراَ وبقايا أعمدة تعود إلى الكنيسة القديمة وكرسوه للعبادة. وإثر اضطرابات عام 1860 هدمت الكنيسة إلا أنها أعيدت إلى ما كانت عليه في عام 1867، وشكلها الحالي هو ثمرة ترميمات ترجع إلى عام 1893 وإلى الترميم الأخير لعام 1973. إن بيت القديس حنانيا هو إحدى الآثار الهامة والأكيدة لخطى القديس بولس في دمشق، وهو اليوم عبارة عن سرداب مكون من غرفتين ينزل إليه عبر درج بازلتي يعد ثلاثة وعشرين درجة، وهذا الوضع سببه ارتفاع مستوى سطح الأرض نتيجة الهدم والردم طيلة عشرين قرناً.
إن بيت القديس حنانيا التقليدي الذي يعرضه الآباء الفرنسيسكان اليوم على الزائرين هو جزء من كنيسة المصلبة التي تعود إلى القرنين الخامس والسادس، ومن المحتمل أن يكون هذا جزء من حنية الشهداء حيث كان المسيحيون يكرمون فيها ذخائر الشهداء. والأرضية الحالية تصل سماكتها إلى 50 سم تتوضع فوق أرضية الكنيسة الأصل.
يحافظ آباء باب توما الفرنسيسكان وبعناية على الكنيسة لأنها تمثل المكان الذي كان المسيحيون الأوائل يجتمعون فيه مساء كل سبت (طيلة خمس سنوات بعد صعود الرب يسوع) ويحتفلون بالذبيحة الإلهية أي تكسير الخبز. وبالتالي فإن هذا الموقع هو أقدم كنيسة عرفت خارج أسوار القدس إذ يضم ذكريات القديس بولس واهتدائه وتعلمه وهروبه من اضطهاد اليهود وتشجيع المؤمنين له على حمل رسالة المسيح ليغدو رسول الأمم. وكل هذه الأسرار يحتفل رهبان باب توما الفرنسيسكان بها سنويا في الأول من تشرين الأول في قداس احتفالي. ويعد هذا المكان بمثابة مكان حج يأمه كل السواح وافدين إليه من كل أصقاع العالم
|