|
" وقائع ومواقع "
في أواخر القرن الماضي، ترجم بعض الباحثين الإنكليز والفرنسيين وثائق تتعلق بالرهبنة السريانية الغربية وذلك من اللغة السريانية منها وثائق الطبيعة الواحدة للأب جي بي شابوت . لا ريب أنه كان لنشر هذه الوثائق أهمية بالغة، كونه هو الذي ترجم " أخبار البطريرك اليعقوبي ميخائيل الكبير " عن اللغة السريانية . فإذا كان قد تمكن باحثو الآثار السريانية من التعرَّف على أديرة وقرى ادلب ( شمال غرب سوريا) هذه المنطقة التي حافظت على الكمّ الأكبر من الأوابد التي تعود إلى الثقافة السريانية، فالفضل يعود بذلك لهذه الوثائق .
نتيجة للدراسات التي تمت خلال الثلاثين سنة الأخيرة تبين وبدون شك أنّ الرهبنة السريانية لم تستوحِ أنظمتها من رهبنات مناطق أخرى مثل ( كيدوكيا، فلسطين ومصر ) والتي نشأت تلقائياً تحت نمط تكريس شخصيّ بفضل أناس كرماء خلال حقبة التسامح الديني في النصف الثاني من القرن الثالث والتي برزت بعد منشور ميلانو / 313 /، فقد اتخذت الرهبنة السريانية نمطاً نسكياً بدا بمظاهر ومشاهد متعدّدة منها " العيش فوق الأشجار أو أروقة دائرية مصنوعة من الجدران اليابسة Thrin lion " أما الآخرون الذين يرغبون بأن يحتقروا من قبل الناس فيقفون بلا حراك على مفترق الطرق . وآخرون يعيشون بالفلاء ويقتاتون الأعشاب كالماشية وهم بلا مأوى وهذا نمط نسكيّ يروي عنه تيودوريتو في كتابه " التاريخ الديني " إذ يقول " أن القديس مارون تبنى هذا الشكل من الحياة النسكية ودشنه بالقرب من قلعة كلكوتّا ( شمال غرب حلب على مقربة من معبدٍ وثني حيث كان يلجأ إليه في أشدّ أيام الشتاء قساوة ) .
لم يكن نسّاك الفلاء يملكون شيئاً لأنفسهم أم لسواهم . والسقف الوحيد الذي كانوا يلتحفونه ليلاً كان قبّة السماء بنجومها .
لم يلق هذا النمط الشديد القساوة من الحياة نجاحاً لأنّه وحسب رواية تيودوريتو فإن تلاميذ القديس مارون كانوا يعدّون على أصابع الكف الواحدة .
آخر شكل تنسّكي كان ذاك الذي تبنّاه القديس سمعان العمودي الكبير بعد محاولته العيش الصومعي ولمدّة خمسة عشر عاماً في ديرين مختلفين حيث طرد منهما بسبب شدّة كفّاراته اعتلى عموداً لهدف واضح كي يتحرّر من أشكال التبجيل الشعبي .
ومن السخرية أن بعض الباحثين يعزون صنيع القديس سمعان هذا اختياراً منه لما كان يمارس في Hyerapolis ( منبج اليوم شمال سوريا ) تكريماً لآلهة سوريا Atargatis حيث أن كبير الكهنة كان يعتلي عموداً ليعلن من فوقه أسماء أصحاب القرابين .
إلاّ أن أحد أشكال الحياة النسكيّة الفريدة كان ذاك الخاص بالحبيس، لقد كان يعيش الراهب في غرفة مرتفعة مثل التي تشاهد في( زرزيتا، رويحة، فوقنابه وفي ديرون )، أو في برج حقيقي خاص يصل ارتفاعه إلى خمسة عشر متراً مثل الذي يشاهد في ( الشيخ سليمان )، كما وكان يصل ارتفاعه أيضاً إلى واحد وعشرين متراً ( برج قصر البنات على الحدود السورية – التركية ) .
أما الحياة الصومعيّة فقد انبثقت تلقائياً من الحياة النسكيّة، هذا ما يخبرنا عنه بشكل تفصيليّ تيودوريتو من سيروس في الفصل الرابع من كتابه " التاريخ الديني " .
كان الرهبان ينتهون إلى حياة جماعية، يصلّون مجتمعين ويرتلون بلغتهم الأم ترانيم متعاقبة في الأديرة بالرغم من أنهم ينتمون إلى ثقافات مختلفة يونانية، سريانية، ويصلون بالتناوب بكل تأكيد فإن عصب الحياة الرهبانية السريانية كانت الصومعيّة، وأشهر أديرة سوريا الشمالية تلك التي تقع في الشمال الغربي بتلانيسوس المعروف اليوم بدير سمعان، وقصر البنات، الدير الكبير في تليده شيّد على يد الناسكين أميانوس وإيوسيبيوس أسفل جبل كوريفيوس، ودير بطابو على جبل سرير الذي كما نعلم من وثائق الطبيعة الواحدة أنه استقبل مئات الضيوف في عامي 567 – 568 بمناسبة انعقاد مجمعين رهبانيين . جدير بالذكر أنّه وحتى منتصف القرن العاشر كانت هذه الأديرة الكبيرة تقوم بالفعل بتأمين الأطر الكنسيّة المؤهّلة لسوريا كما تشير إليه اللوائح الأسقفية .
مع احتلال سوريا الشمالية عام 968 من قبل البيزنطيين لم يؤتَ على ذكر هذه الأديرة هذا مؤشر إلى أنّ رؤساء الرهبان اليعاقبة وخوفاً من الانتقام سارعوا إلى الهروب قبل دخول نيقوفور فوكاس واحتلاله إنطاكية فلجئوا إلى شرق حلب قرب حدود الصحراء للاحتماء بالعرب .
نجد فقط أسماء بعض الأديرة السورية الثانوية منها دير مار مرقس ومار سابا ورد ذكرهما في قصائد الشاعر العربي حمدان الأتاربي الذي كان يعيش في منطقة ادلب في القرن الثاني عشر .
كانت تُمارَسُ ( كما يقولون) في الأديرة الحياة العامة وكانت تبدو بالظاهر حياةً عاديةً وسهلة للغاية . لكن بالحقيقة كانت تعتبر من قبل الأساتذة الروحيين : أساس الحياة " . لم يكن يسمح لأحد أن يعتلي العمود أو يعتكف في برج إذا لم يكن قد تدرّج في الحياة النسكيّة أولاً أو أعطى برهاناً لحياةٍ مثاليّة حقّة .
لقد بقيت الرهبنة السريانية بمختلف أشكالها متألّقة حتى مجمّع خلقدونيه عام 451م وسرعان ما تراجعت إمّا لانقسام الإكليروس بسبب جوهر الإيمان، أم بسبب النزعة العنصريّة التي أدّت إلى حقد وكراهية بين خلقدونيين ويعاقبة .
كيف كانت الحياة بالدير ؟ .
الكل كان يمارس كافة الأعمال اليدوية والذهنية، كلٌّ كان يعمل حسب طاقته البعض كان متفرّغاً لأعمال الحقول، البعض الآخر لنسخ الكتب المقدّسة والطقسيّة، وأخيراً البعض يهتمّون باستضافة السيّاح القادمين لزيارة ضريح القديس المؤسس .
أمّا في تليده وفي البيت الفرعي القريب من الدير الكبير كما ايوسيبوناس كان هنالك أيضاً بعض المدارس حيث حكيم الكنيسة اليعقوبيّة الكبير يعقوب من أديسّا، علَّم بها اللغة اليونانية لجماعة الرهبان بعد أن تخلّى عن الكرسي الأسقفي .
لكن بالقرب من العديد من الأديرة التي تتمتع بالنشاط والحيويّة نجد ديراً خاصاً بالحياة التأمليّة حيث يتناوب فيه الرهبان ليل نهار لتلاوة المزامير، بُني لهذه الغاية في بلدة تيلانيسّوس من قبل ماريس على أساس هذا النوع الغريب من الحياة في ذاك الوقت ومن المحتمل أن يكون الوحيد في سوريا .
هنالك مبدأ إصرار منطقي صيغ من قبل المؤسس يقول : " الله يطعم العصافير وهي في الهواء . لماذا لا يتوجب عليه إطعام هؤلاء الذين يسبّحونه ليل نهار ؟ " هذا المنطق كان واضحاً بالنسبة للنفوس البسيطة، وبه تمسّك التلاميذ .
حريُّ أن نعيد ما يقوله تيودوريتو " لقد كان للحقير الكبير " أي رئيس الدير مائتان من الأتباع، لم يسمح لهم باقتناء فرسٍ أو مطحنةٍ ولا قبول هدايا من ذهب ولا الخروج لشراء ما هو ضروري أو لزيارة الأصدقاء . لكن عليهم البقاء في الداخل واستلام الطعام المرسل من نعمة الله، ويحافظ التلاميذ على هذا النظام حتى يومنا هذا . وبما أنَّهم ازدادوا عدداً لم يتخلّوا عن هذا النظام الثابت . ( التاريخ الديني الفصل 26 ) .
" لقد أراد الله أن يظهر أيضاً أنّ لا أحداً يمكن أن يضاهيه كرماً " .
بعد مجمع خلقدونية انخرط الرهبان السريان باندفاع شديد في معركة الإيمان حتى وعندما لا علاقة للإيمان بذلك، حيث أنّ هنالك تلاعباً بالعبارات فقط للالتباس بمفرداتها .
الخلافات بين اليونان - الخلقدونيين والسريان – اليعاقبة بلغت شأوها بعد عمل دؤوب دام ثمانين عاماً أي حتى شهر آب عام 636 عندما تخلّى السريان والأرمن عن القادة البيزنطيين بدون جنود والتحقوا بالمعسكر العربي . لقد كانت الهزيمة كاملة ولقد تحطّمت الإمبراطورية الرومانية في الشرق وبعد مضيّ سنتين سقطت إنطاكية الكبرى وأصبحت للحال قرية كبيرة، وطرد الروم في آسيا الصغرى وكانوا مهدّدين أحياناً حتى في ذات العاصمة القسطنطينية .
وكان أن سكَّر السريان حساباتهم مع الخلقدونيين ولم يتمكنوا من معارضتهم بالرغم من أن انطاكية استعيدت عدة مرات . إلا أن المباراة كانت خاسرة بين كلا الطرفين ونجمت عنها نتائج دينية وسياسية لا تعوض
منذ داك الوقت لم تكن الحياة الرهبانية كتلك التي كانت في القرنين الرابع والخامس . سرعان ما ظهرت على الأرض السورية حياة اجتماعية تختلف كثيراً عن حياة العصر الذهبي .
في أواخر الألفية الأولى دخلت جحافل السلجوقيين كالأمواج وللفور تغيّرت سياسة الغرب الآسيوي وبشكل كامل . اختفى كل شيء …
لا يوجد اليوم على الأرض السورية دير واحد يوناني كان أم سرياني، خلقدوني كان أم يعقوبي ذات طبيعة واحدة أم طبيعتين إلهيتين .
المهم هنا كشف النقاب عن هذا السرّ . لكن … يارب، هلاّ من عودة لذاك الربيع ؟ .
عنواين الصور
باسكال كاستيلاّنا
15/4/2000
عناوين الصور
آثار الكنيسة المشيدة حول عامود مار سمعان
الدانا – جنوب ادلب بقايا الدير المعروف بقصر البنات
بمناسبة الزيارة الرسولية لقداسة البابا يوحنا بولس الثاني إلى سوري ( ا5-7 أيار 2001)
|