فعاليات اليوم الثالث والأخير    فعاليات اليوم الثاني للمؤتمر    فعاليات اليوم الأول من المؤتمر الفرنسيسكاني    أخبار فعاليات المؤتمر الفرنسيسكاني بحلب    إعلان عن برنامج المؤتمر الفرنسيسكاني في حلب الشهباء مابين 15-17-4-2010    test news    my first    الرياضة الروحية السنوية 2009 للاباء الفرنسيسكان في سورية    ريسيتال في كنيسة اللاتين في اللاذقية    حارس الأراض المقدسة يقيم مراسم القداس والجناز للأب ابراهيم يونس الفرنسيسكاني في القنية    
ايلول
أحد إ ث أ خ ج س
1 2 3 4
5 6 7 8 9 10 11
12 13 14 15 16 17 18
19 20 21 22 23 24 25
26 27 28 29 30
اليوم : أحد 5-9-2010
لا يوجد سجلات لليوم
أخبار شباب المسير
test news


المصادر الفرنسيسكانية --> فارس الكمال الأنجيلي

حمل الفصل الاول من كتاب \"فارس الكمال الأنجيلي\" للقديس بونيفانتورا



مقدمة المؤلف

 

        1- (ظهرت نعمة الله مخلصنا) في هذه الأيام الأخيرة في عبده فرنسيس، لجميع الذين عاشوا حياة وداعة وصادقة، واعتنقوا مشورة الفقر الاختياري المقدس.

 وكلما عمل هؤلاء على تكريم ملء الرحمة الإلهية التي أفاضها الله عليه، ازدادت معرفتهم، وتخلقوا بخلقه، (ذاك الذي تنكر) بشكل جذري، للنفاق وشهوات هذه الدنيا وكان حافزاً يدعوهم إلى انتهاج سلوك يتوافق مع تعليم السيد المسيح ويصبو برغبة عارمة، وعطش لا يرتوي، إلى (السعادة المرجوة).

على هذا الإنسان، الصادق بفقره والمنسحق بقلبه، كانت عين الله، ترعاه  بعناية وجودة وهو تعالى، لم يكتف بأن (أنهضه مسكيناً عن تراب) الحياة الباطلة فحسب بل جعله علماً وقائداً و فارساً من فرسان الكمال الإنجيلي. ثم اصطفاه نوراً للأوفياء المخلصين. كي (يعد للرب طريق النور والسلام) في قلوب المؤمنين، فيغدو (شاهداً يشهد للنور).

(مثل كوكب الصبح بين الغمام) أرسل أشعة حياته المضيئة وتعليمه القويم، وبها أنار (المقيمين في الظلمة وظلال الموت)، (مثل القوس المتلألئة يبن غيوم البهاء).

بشر الناس (بأنجيل السلام والخلاص) متشحا في ذاته (بعلامة العهد) مع الرب الإله.

مثل ملاك، ورسول سلام حقيقي، سار هو أيضاً على خطى المعمدان، حسبما اقتضته مشيئة الله، ليعد له تعالى الطريق في برية. الفقر الرفيع (داعياً إلى التوبة) بالقول والمثل، بالكلمة والعمل.

 وبعدما سبقت واستدركته نعم الله وعطايا السماء - على ما يظهر جلياً من خلال سيرة حياته - ارتفع باستحقاقات فضيلة، دائمة الظفر، حتى (امتلأ من روح النبوة).

وأضحى مختاراً بين صفوف الملائكة، وأفيضت عليه محبة سار وفيه متقدة، جعلته شبيها بأجواق الملائكة، واختطف إلى السماء (فوق عربة نارية). وإنه لمن الثابت عقلياً أنه أرسل بيننا نحن البشر، (وفيه روح إيليا وقوته).

 ولقد جرى التأكيد وبحق أنه هو المرموز إليه بصورة الملاك الذي يطلع من المشرق حاملاً خاتم الله الحي كما يصفه لنا (صديق العريس الآخر) القديس يوحنا الحبيب، الرسول والإنجيلي في نبوته الصادقة. فيقول في سفر الرؤيا، في لحظة فض الختم السادس (ثم رأيت ملاكاً آخر يطلع من المشرق حاملا ختم الله الحي).

 

        2- إن فارس الله هذا، الذي هو أهل لمحبة المسيح، الواجب الاقتداء به من جهتنا، والجدير بتقدير أبناء هذه الدنيا، هو خادم الله فرنسيس. كل هذه الأمور نتحقق منها بيقين لا يعرف الشك أبداً، لو تتبعنا ارتقائه مراتب الفضيلة والقداسة، إذا عاش بين البشر متمثلا بصفاء الملائكة، حتى أضحى مثالا للكمال و قدوة لأتباع المسيح.

 ومما يدفعنا، إلى اعتناق هذا اليقين بإيمان وورع، تلك المهمة التي أوكلتها إليه السماء وراح يعمل على تحقيقها، داعياً بني البشر، (إلى البكاء والنحيب والندم والتسلح بالمسيح) بصليب من التوبة، ولباس وسم على شكل صليب.

 وكذلك فإن ما يثبتنا بهذا اليقين، ويعزز صدقه الذي لا جدل فيه، تلك الشهادة التي يشهد بها، (ذاك الخاتم الذي جعله شبيهاً) بالله الحي، أي المسيح المصلوب، وهو خاتم انطبع في جسده، لا بوسم الطبيعة، لا بمهارة صانع حاذق، و إنما (روح الله الحي) العجيبة.

 

        3- ولما رأيتني غير أهل وشعرت بأني عاجز عن سرد سيرة هذا الإنسان الجدير بإكرام البشر وتقديرهم، والخليق باقتداهم به في كل ما عمل وعلم. لم أكن لا جرؤ مطلقاً، على الغوص في مهمة شاقة كهذه، لو لم تدفعني المحبة العارمة التي يكنها لي إخوتي في الرهبانية ولولا التشجيع الذي حظيت به من جميع أعضاء المجمع ألرهباني العام.

لكن الحافز المباشر الذي جعلني أقرر الانطلاق في هذا العمل، هو العرفان بالجميل الذي أنا مدين به لهذا الأب القديس.

 فلما كنت طفلا، نجوت فعلا من براثن الموت، باستحقاقات هذا القديس وشفاعته. هذه الذكرى احملها في داخلي، دائماً حية نضرة تجعلني أحص على الاحتفاء والتغني بفضائله على الملأ.

 من جهتي هذا هو الحافز الأقوى، الذي دفعني إلى مواجهة هذا العمل. وأنا أقر بأن الله وهبني حياة النفس والجسد، ودعاني إلى الخلاص على يد عبده فرنسيس، وأنا بدوري، لمست عن كثب قدرة هذا الأب الصالح بعدما اختبرتها ذاتي.

لهذا كله، عملت جاهداً على أن أجمع في كتاب واحد، ما استطعت الوصول إليه من أخبار هذا القديس وأفعاله وأقواله، وقد كانت مبعثرة في كل مكان. بعضها لم يأت على ذكره أحد، وبعضها كان ضائعا، وبعضها الآخر كان موزعا هنا وهناك، لا سيما وأن بعض رفاقه بدأوا يتنقلون إلى دار البقاء فخشيت أن تضيع بعض الأخبار والمراجع بموتهم.

 لقد حرصت على أن أتحقق بنفسي، واستقي مادتي من ينابيعها الأصلية، وعملت جاهداً كي أصل إلى الحقيقة المجردة، حول صحة سيرة هذا القديس، وانقلها صادقة إلى أبنائه الروحيين. فقمت بزيارة شخصية إلى جميع المواقع التي ولد وعاش ومات فيها، كما قمت بتحريات جادة حول الأحداث التي جرت معه وعلى يديه مع من بقي على قيد الحياة من رفاقه الأوائل، وخاصة مع بعض الذين كانوا برفقته منذ الأيام الأولى وتبعوه عن  كثب، وعرفوا قداسته قي العمق، وهم شهود جديرون بالثقة إما بسبب معلوماتهم، أو بسبب ما اشتهروا به من فضائل.

 وفي سياق سردي لكل ما تنازل الله وتممه على يد عبده هذا، ارتأيت ألا اهتم ببلاغة الأسلوب، أو صقل الكلمة، قناعة مني، بأن القارئ الكريم قد يجد زاداً عن طريق الأسلوب اللغوي السهل، لا يجده في البلاغة المتبهرجة.

 

        4- وسأعرض سيرة حياته والمراحل التي مرت بها من بدايتها حتى تمامها في خمسة عشر فصلا موزعة على الشكل التالي:

 

الفصل الأول:            سلوك فرنسيس وهو في العالم.

الفصل الثاني:            اهتداؤه الكامل وترميمه كنائس ثلاث.

الفصل الثالث:            تأسيس الرهبانية واعتراف السلطة الكنسية بقانونها

الفصل الرابع:            انتشار الرهبانية تحت رعايته وتثبيت القانون المعتمد سابقاً.

الفصل الخامس:          حياته الزاهدة وكيفية تشجيع المخلوقات له.

الفصل السادس:           تواضعه وطاعته واستجابة الله له.

الفصل السابع :           حبه للفقر، وتدخلاته العجيبة لأجل المعوزين.

الفصل الثامن:            تقواه، وتعلق المخلوقات غير العاقلة به.

الفصل التاسع:            حرارة المحبة والرغبة بالاستشهاد.

الفصل العاشر:            حبه لفضيلة الصلاة.

الفصل الحادي عشر:      تعمقه في الكتاب المقدس وروح النبوة عنده.

الفصل الثاني عشر:       موهبة الكرازة ونعمة الشفاء.

الفصل الثالث عشر:       السمات المقدسة.

الفصل الرابع عشر:       صبره وانتقاله.

الفصل الخامس عشر:     إعلان قداسته ونقل جثمانه.

النهاية:        بعض العجائب التي اجترحها بعد انتقاله السعيد إلى السماء متوجاً بها هذا العمل. 

 

الفصل الأول

سلوكه قبل الاهتداء

 

1- طفولة فرنسيس ونشأته:

 كان في مدينة أسيزي  الايطالية إنسان مبارك الذكر اسمه فرنسيس، وكان الله، بصلاحه اللامتنناهي  قد حباه بركة خاصة، وبحكمته انتشله من أخطار هذا العالم، وبكرمه أفاض عليه نعمة الإلهية.

 كانت ولادته عام 1182، وعاش سني طفولته وصباه، كأي فتى يافع من فتيان بلدته بين تفاهات بني البشر المغرورين. وبعدَ أن نال قسطاً من التعليم وتلقى ثقافة عامة، توجه مع أبيه إلى العمل التجاري المربح. وَمع أنه كان يعيش بين شباب منغمسين في حياة اللهو والملذات، ومع أنه كان ميالاً إلى متع الدنيا، إلا أن الله حفظه وصانه من الانغماس في أباطيل هذا العالم وأخطاره، ولذلك فإنه لم يجر وراء ميول الغرائز الجامحة. ومع أنه كان يعيش بين تجار بخلاء جشعين، ومع أنه كان يسعى بكل جهد إلى الربح، إلا أنه لم يكن يضع كل رجائه في جمع الثروة واكتناز الأموال.

 كان الله قد غمر نفس الشاب فرنسيس بالميل الشديد إلى العطف. وقد نما معه هذا الميل منذ صباه، وملأ قلبه بالصلاح حيث أنه ومنذ وقت مبكر كان يحسن الإصغاء للإنجيل، مما جعله يقرر في دخيلة نفسه أن يعطي كل ما يطلب منه، خصوصاً إذا ا كان ذلك حباً بالله تعالى.

ذات يوم وبينما هو منهمك في تصريف أعمال متجر أبيه، جاءه فقير يطلب منه إحسانا لوجه الله، فرده صفر اليدين (على خلاف عادته) لكنه للحال رجع إلى نفسه، وركض وراءه حتى أدركه ثم أجزل له العطاء. عندئذٍ قطع على نفسه عهداً أنه من تلك اللحظة، وبقدر استطاعته، لن يرفض طلبا لكل من يسأله حبا بالله. ولقد حافظ على عهده هذا طوال حياته دون تأخر أو تردد، فاستحق بذلك نمواً مطرداً متعاظماً في محبة الله ونعمته.

 ولقد قال فيما بعد (عندما أصبح ممتلئاً بروح السيد المسيح): (عندما كنت أعيش في العالم، كان من الصعب علي أن أسمع ذكر محبة الله دون أن أشعر باضطراب في داخلي).

كانت تزهر في ذلك الشاب الوداعة العذبة مقرونة برقة الطباع والشمائل، والصبر والمودة كأسمى صفتين يمكن أن يتحلى بهما إنسان، والسخاء في العطاء بما يفوق التصور والمقدرة، كل ذلك كملامح أكيدة لخلق أكيدة رفيع صالح. وكانت تبدو وكأنها تنبئ بأن بركة إلهية خاصة ستنسكب عليه بوفرة غامرة في المستقبل القريب.

 كان رجل من أسيزي بسيط للغاية يخلع رداءه و يفرشه أمام فرنسيس ليسير عليه في طرق المدينة، وكان يعلن أن فرنسيس مستحق كل تكريم وأنه عما قريب سيقوم بأعمال عظيمة. لذلك فإنه سيكون ممجدا و مكرما عند جميع المسيحيين. (وهذا لابدَ أنه كان من وحي إلهي).

 

2- نذر القداسة: 

 حتى ذلك الحين لم يكن فرنسيس قد أدرك بعد ما يخططه الله له، فقد كان منهمكاً حسب رغبة أبيه في نشاطه وعمله التجاري، مشاركاً أقرانه وأصدقاءه حياة الشباب اللاهية العابثة والانجراف وراء ميول الطبيعة البشرية الفاسدة. أنه لم يكن قد تعلم بعد أن يتأمل في الأسرار الإلهية، كما أنه لم يكن قد تعود على تذوق الحقائق السماوية. ولما كان الخوف وسيلة لفهم العظة والدرس وكما تنقى المعادن بالنار والشوائب، هكذا أتت يد الله عليه، وتدخلت يمين العلي، فأصابت جسمه بمرض شديدي عضال جعله مستعدا لتقبل استنارة الروح القدس. وحين استعاد عافيته، بادر كعادته إلى ارتداء ملابسه الفاخرة وخرج للتجوال في ظاهرة البلدة، حيث صادف فارساً نبيلاً لكنه فقير ويرتدي ملابسة رثة. وبعطف شديد تحت تأثير ما رآه منه من فقر وبؤس وبعطف شديد، خلع فرنسيس ثيابه الفاخرة وألبسها ذلك الفارس النبيل. هكذا بعمل واحد قام فرنسيس بفعل خير مزدوج، حافظ على حياء وكرامة ذلك الفارس وفي الوقت نفسه خفف عنه ما كان فيه من بؤس وفاقه. 

3- الرؤيا الأولى: 

في الليلة التالية لهذه الحادثة، وبينما كان نائماً، أراه الله قصراً كبيراً وجميلا مليئاً بالأسلحة التي تحمل علامة صليب المسيح وذلك لكي يظهر ويبرهن له بشكل جلي كيف تكون مكافأة العطف الذي قام به تجاه ذلك الفارس الفقير حباً بالملك العظيم الذي سوف يكافئه بعطية لا يمكن أن تضاهى. وحين سأل عمن يكون صاحب هذه الأسلحة كلها جاءه الرد من السماء مؤكداً إنما كل تلك الأسلحة إنما هي له ولفرسانه. وعندما استيقظ من نومه في الصباح، ظن أن ذلك الحلم غير العادي ينطبق عليه ويتنبأ له بالمجد الدنيوي.

 

والحقيقة أن فرنسيس لم يكن قد أدرك بعد حقائق الأشياء غير المرئية عن طريق الأشياء المحسوسة، لأجل ذلك، وبما انه كان يجهل الخطط الإلهية العدة له، قرر أن يذهب إلى مقاطعة بوليا لينضوي تحت خدمة إقطاعي نبيل هناك أملاً في الحصول على لقب الفارس، تحقيقا لما فهمه من حلمه في تلك الليلة.

وللحال بدأ رحلته، ولكنه ما أن وصل إلى أقرب مدينة، حتى سمع في الليل صوت الله في ألفةٍ يقول له: (يا فرنسيس من يستطيع أن ينفعك أكثر السيد أم العبد؟ الغني أم الفقير؟) فأجاب فرنسيس (السيد والغني) وللحال تابع الصوت: (إذن، لماذا تترك اليد وتتبع العبد؟ تترك الله الذي هو هكذا غني وتتبع الإنسان الذي هو هكذا فقير؟؟؟ عندئذٍ أجاب فرنسيس: سيدي، ماذا تريدني أن أفعل؟ وجاءه الجواب. ارجع إلى أرضك الرؤيا التي شاهدتها إنها تمثل رسالة روحية يجب أن تتم فيك، ليس بترتيب بشري بل بتدبير إلهي).

 في الصباح الباكر وعلى التوَّ قفل راجعاً إلى مدينته أسيزي مسروراً، واثقاً، مطمئناً. وغدا منذ تلك اللحظة مثالاً للطاعة، وراح ينتظر إرادة الله.

4- على درب الكمال الإنجيلي:

 منذ ذلك الوقت اعتزل ضوضاء الناس ومشاغلهم وأخذ يتوسل بحرارة وتقوى من الحكمة الإلهية أن تتنازل وتكشف له ماذا عليه أن يعمل. وكانت الممارسة المتواصلة للصلاة تنمي وتقوي فيه الرغبة المتأججة لاستجلاء الأمور الروحية. والحب الشديد للوطن السماوي الذي جعله يحتقر الأمور الدنيوية وكأنها لا شيء . كان يشعر وكأنه اكتشف الكنز المدفون، كان أشبه ما يكون بالتاجر البارع الحكيم المتمرس الذي يسعى بكل جهده إلى شراء تلك اللؤلؤة الثمينة التي وجدها ويدفع ثمناً لها كل ما يملك.

 لم يدرك فرنسيس بعد بأية طريقة كان عليه أن يحقق ذلك. ولكنه بالهام من الروح أدرك وفهم بأن التجارة الروحية يجب أن تبدأ باحتقار العالم، وأن الانضواء تحت راية المسيح يجب أن يبدأ بالانتصار على الذات.

5- لقاؤه بالأبرص:

 في أحد الأيام، بينما كان ممتطياً صهوة جواده في ضواحي مدينة أسيزي التقى رجلاً أبرص. مما ملأ نفسه بالرعب والاضطراب، لكنه سرعان ما تذكر العهد الذي قطعه على  نفسه، وهو السير نحو الكمال السماوي الذي كان قد استوعبه بعقله. وأنه لكي يصبح أحد فرسان المسيح، عليه أولا أن ينتصر على ذاته. عند ذلك نزل عن حصانه، واندفع نحو الرجل الأبرص و احتضنه. ولما كان الأبرص يمد له يده كما لو كان يطلب منه حسنةً، فقد بادر بإعطائه قطعة من النقود وقبله، ثم عاد وامتطى صهوة جواده، وقبل أن ينطلق في سبيله أحال نظره فيما حوله ولكنه فوجيء بأنه لم يجد أي اثر لذلك الأبرص، مع أن المنطقة كانت مكشوفة تماماً. عند ذلك، امتلأ دهشة وفرحاً وراح يرتل بتقوى التسابيح الإلهية، وقطع العهد على نفسه بأن يرتفع منذ هذه اللحظة إلى الأمور العلوية.

 

 وبعد ذلك بدأ فرنسيس يرتاد الأماكن المنعزلة لتكون رفيقة دموعه وابتهالاته. وهناك كان يسلم نفسه لصلوات طويلة وملحة طالباً الاستنارة والمعونة، من خلال تنهدات حارة لا توصف استحقت أن يستجيب الله له.

 وذات يوم وبينما كان فرنسيس معتزلاً العالم كعادته، غارقاً في الصلاة والابتهال، وقد بلغت نفسه قمة توهجها بالحب الإلهي، تجلّت له صورة السيد المسيح وهو مسمّر على الصليب. بمجرد رؤيته لذلك المنظر الرهيب، ذابت نفسه ورعاً، وانطبعت في قلبه ذكرى آلام المخلص، بصورة حية، حتى أنه ومنذ تلك اللحظة كان لا يكاد يضبط نفسه ويخفى تنهداته ودموعه الغزيرة عندما يذكر أمامه صلبَ المسيح. (هذا ما أعترف به هو نفسه لأتباعه المقربين في أواخر أيام حياته) لقد أيقن فرنسيس أن الله هو الذي يوجه إليه قول الإنجيل: (إذا كنت تريد أن تتبعني، ازهد بنفسك واحمل صليبك واتبعني). 

6- فرنسيس يرتدي روح الفقر: 

 منذ ذلك الوقت لبس فرنسيس روح الفقر وامتلأت نفسه بشعور داخلي من التواضع والتقوى العميقة. في البداية لم يكن فقط يشمئز من لقائه البرص بل أيضاً من رؤيتهم عن بعد. والآن، حباً بالمسيح الذي بحب كلام النبي: وجد مهاناً ومرذولاً وحسب كأبرص، أصبح يحرص على خدمتهم بتواضع وحنان. بهدف الوصول إلى كامل احتقار ذاته. وكثيراً ما كان يزور البرص في مساكنهم، يعطيهم بسخاء وبعطف غامر وحنان كبير كان يقبل أيديهم ووجوههم.

 

 كان أحياناً يخلع ثيابه ويهبها لهم، وأحياناً أخرى كان يقسمها إلى قطع لكي يوزعها عليهم، حين لا يكون لديه شيء آخر ليعطيه لهم. كان يساعد أيضا، باحترام وبتقوى، الكهنة الفقراء وباهتمام خاص كان يقوم بسد حاجاتهم في تأثيث الكنائس وباعتبارهم خداماً لهياكل الله. ليصبح مشاركاً فعالاً في الخدمة الإلهية.

 

وبتقوى وعبادة ذهب لزيارة قبر القديس بطرس في روما وهناك رأى جمعاً كبيراً من الفقراء المتسولين على أبواب تلك الكنيسة. وبدافع عطفه الشديد ومليئاً بالحب للفقر، أعطى ملابسه للأكثر حاجة من اؤلئك المتسولين، مستبدلاً إياها بملابس ذلك الفقير الرثة، وأمضى كل ذلك النهار بين اؤلئك الفقراء بفرح روحي غير عادي.

 لقد أراد بذلك أن يحتقر مجد العالم، وأن يصل تدريجياً إلى قمة الكمال الإنجيلي كان يجتهد بحرارة عظيمة أن يكبح نوازع الجسد بطريقة تجعله يحمل خارجياً في جسده صليب المسيح الذي كان يحمله فعلا في قلبه.

كل هذه الأشياء كان يفعلها فرنسيس رجل الله عندما كان يعيش حياته اليومية العادية، ولم يكن بعد قد انفصل عن العالم.

 

 

 الى اللقاء في الفصل الثاني من السيرة المطولة.

 

 

2008-12-14
إلى الأعلى
Copyright © 2007 Franciscan Fathers in Syria. All rights reserved.
Web by SayesCo.