فعاليات اليوم الثالث والأخير    فعاليات اليوم الثاني للمؤتمر    فعاليات اليوم الأول من المؤتمر الفرنسيسكاني    أخبار فعاليات المؤتمر الفرنسيسكاني بحلب    إعلان عن برنامج المؤتمر الفرنسيسكاني في حلب الشهباء مابين 15-17-4-2010    test news    my first    الرياضة الروحية السنوية 2009 للاباء الفرنسيسكان في سورية    ريسيتال في كنيسة اللاتين في اللاذقية    حارس الأراض المقدسة يقيم مراسم القداس والجناز للأب ابراهيم يونس الفرنسيسكاني في القنية    
ايلول
أحد إ ث أ خ ج س
1 2 3 4
5 6 7 8 9 10 11
12 13 14 15 16 17 18
19 20 21 22 23 24 25
26 27 28 29 30
اليوم : أحد 5-9-2010
لا يوجد سجلات لليوم
أخبار شباب المسير
test news


المسير الفرنسيسكاني --> المسير الفرنسيسكاني الرابع

مواضيع المسير الفرنسيسكاني الرابع 2008



المواضيع التي أعطيت في المسير الفرنسيسكاني الخامس

شخصية شاول بولس

      من المفيد، قبل الشروع بمسيرنا الروحي، أن نرسم ملامح شخصية بولس الرسول وإن بوجهٍ عام. إنها شخصيةٌ متعددة الجوانب ومعقَّدة، لكن قراءتها ممكنة، ولاسيَّما جعل من المسيح محوراً لكل انفعالاته واختباراته. فبطاقة زيارته نجدها في الرسالة إلى أهل فيليبي (3/5-7). وعندما أقول «انفعالات» أعني ذلك فعلاً، لأن شاول يصبح بولس دونما تغييرٍ يُذكر في طباعه وإنسانيّته، ولكن، تعلَّم بواسطة النِّعمة، كيف يوجِّه كل طاقاته، الجسدية والروحية، نحو الهدفِ الجديد: الفوزُ بالمسيح الذي فازَ به أولاً (راجع فل 3/8). وهنا يكمن السِّر في سعادة كل كائنٍ بشريّ: أن يجدَ محوراً تدور حوله كل حياته. عندها فقط، كل شيء أو ما يقارب فيما يتعلَّق بالملذَّات، يمكن تجاوزها، ومن بينها تلك التجارب الأكثر ثقلاً والتي تعترض مسيرة الإنسان المؤمن. وهكذا يمكن رسم ملامحَ شخصية بولس كالتالي: كان شخصاً ذا إرادة فولاذية: إنسانٌ مثله فقط يقدر أن يتحمل صدمة حادثة دمشق التي وضعت إنسانيته في اختبار صعبٍ جداً. وهنا تظهر في الوقت نفسه، أمانته الكبيرة.

      إنَّ بحثه الدؤوب عن الحقيقة، جعله لا يتردَّد في الخضوع لها في نفس اللحظة التي اكتشفها فيها لدرجة أنَّه شعر بواجب تغيير مسار حياته كلّها. وهذا ما يدعى بحق: «الثّبات في الإخلاص». وتبرز قوة الإرادة عند بولس بشكل ملموس عندما يدخل في جدال مع خصومه، لا بقصد العداوة تجاه هؤلاء، بل حُبّاً بالحقيقة التي كان لها بولس الرسول شاهداً أميناً، فعندما توجه إلى مسيحيّي أَفسس وهو يحثُّهم على بناء وحدة الكنيسة، كتب: «فلا نبقى أطفالاً تتقاذفهم أمواج المذاهب ويعبثُ بهم كلُّ ريحٍ فيخدعهمُ الناس ويحتالون عليهم بمكرهم ليُضلَّهم. وإذا عملنا للحقِّ بالمحبة نَمونا وتقدَّمنا في جميع الوجوه نحو ذاك الذي هو الرأس (أف 4/14-15). إنَّ «عمل الحق في المحبة» يعني تحقيق المحبة أو أيضاً عيش المحبة بصدق، مما يعني أن هاتين القيمتين (الحق والمحبة) لا يمكن فصل الواحدة عن الأخرى.

      ومن جانب آخر، نلاحظ في شخصية بولس طبعاً انفعالياً بوجهيه السلبي أو الايجابي؛ فعندما يصف ماضيه، يكتب: «أنا كنت في ما مضى مجدِّفاً مضطَّهداً عنيفاً» (1 طيم 1/13). وسنرى كيف تحوَّل العنف عند بولس، بعد توبته، إلى قوة لتحُّمل الإساءات المريرة في سبيل خدمة الانجيل (بهذا الخصوص يمكن مراجعة 2 قور 11/16).

وبفضل هذا الطبع الانفعالي، ربطَ رسول الأمم سنيّ حياته بسلسلة لا متناهية من الرحلات الرسولية ميَّزت أسلوبه التبشيري.

      وتُظهر كتابات بولس شخصية فائقة الذكاء، فنراه في حلقات الجدل مع خصومه المتنكرين للحقيقة، يحاور بمهارة وهدوء مع من ينهج طريق الحوار بحثاً عن الحقيقة. لقد كان يُتقن تفسيرَ نبوءات العهد القديم مبيِّناً، ببراعة، تحقُّقَها في شخص السيد المسيح. كما أنه كان قادراً على إقامة بُرهان عقلانيّ على الإيمان بالمسيح، وعمل هذا الإيمان في النَّفس. كان يُتقن فنَّ كَشفِ القناع عن إدِّعاءات أولئك الذين يزرعون الكَذِب والزؤان. كان واعظاً بليغاً شديد التأثير بكلامه وبمثال سيرته المتواضعة في خدمة الإنجيل. كان قادراً على كتابة صفحات أدبية ذات إيحاء شعريّ وعلى الخوض في مواضيع ذات طابع لاهوتيّ محض بمهارة لا مثيل لها. تميَّز بولس بالذكاء الحادّ، وهي موهبة فِطريّة تتأتى عن غنى إنسانيته ومن فعل النعمة فيه، ولكنّ الأهم من ذلك، هو أنه وضعها في خدمة الحقيقة.

      وأخيراً، برهن بولس أنه صديق أمين، إذ إنَّه لم يكفّ بعد أن تعرَّف على المسيح الرب، خلال رؤية ذات طابع عجائبي، لم يكفَّ أبداً عن تغذية عُرى هذه الصداقة الرائعة بالرغم
مما كلَّفه ذلك الأمر من ثمنٍ باهظ، ومِراراً، تُوِّجَت كلّها بإكليل الشهادة. ما أجمل الاستماع لشهادته الذَّاتية: «هاأنذا أُقدَّم قرباناً للرب، فقد اقترب وقت رحيلي. جاهدت جهاداً حسناً وأتممت شوطي وحافظت على الإيمان، وقد أُعدَّ لي إكليل البرِّ الذي يجزيني به الربُّ الديانُ العادلُ في ذلك اليوم» (2 طيم 4/6-8). كلمات بمنتهى القوة كأنها نبوءة لما سيحدث لاحقاً، وبالفعل بعد بضعة أعوام، سيُقطَع رأسه في روما (حوالي عام 64 م)، متوِّجاً بذلك حياته الرسولية بأكملها. وهكذا تحوَّلت دماؤه، التي سُفكت محبةً بالمسيح، إلى بذارٍ خصبٍ للكنيسة في روما وللعالم بأسره. بهذه العبارات الوجيزة نكون قد تعرَّفنا، ولو باختصار، على نفسية بولس، وصار لدينا لمحة عن كيانه وطريقة حياته وأفكاره وما يحبّ وما يكره، ويستشفّ القارئ ذلك من كتاباته التي لا بدّ أن تعكس بشفافية نَفسيَّة الكاتب.

أسئلة

- إعرف ذاتك! ما هو مدى معرفتك لذاتك: طباعك، انفعالاتك، مستوى ذكائك، عواطفك ...؟

صفحات من السيرة الذّاتية

      على من يرغب بالتعرّف على حياة بولس، عليه أولاً قراءة صفحات السيرة الذاتية التي خطَّتها يداه، إنها صفحات كثيرة ورائعة الجمال، ويكفي أن نضعها واحدة تلو الأخرى، لنُعيد بناء وترتيب كل المراحل التي تساعدنا على فهم حياة بولس. هذا اقتراح، أسمح لنفسي بتقديمه لمن هم معنيون بمعرفة رسائل بولس ولا يملكون الوسائل التقنية والعلميّة المتخصِّصة في هذا المجال. قد يكون هذا الخيار هو الوحيد الممكن لمسيرة كهذه. ومن أختبر سابقاً هذا الخيار يعرف كم هي غزيرةٌ الثمار.

من الصفحات الكثيرة التي يتحدث فيها بولس عن نفسه، أخترت واحدة رأيتها الأغنى والأكمل، أعني الرسالة الى أهل فيليبي 3/1-14، حيث يميِّز الكاتب ثلاث مراحل من حياته: الماضي (الآيات 4-6)، والحاضر (7-11)، والمستقبل (12-14). وهكذا يعلِّمنا نحن أيضاً كيف نقرأ المحطات الهامة من تاريخ حياتنا الشخصية على ضوء كلمة الله، فنشكر له هباته، ونطلب الغفران عن الإساءات والإهمال تجاهه، فتصبح صلاتنا نشيد حمدٍ وشكر متواصل للرب إلهنا.

      لم يتنكَّر بولس لماضيه ولأُصوله اليهودية قطّ، بل نسمعه يردِّد بقوة: «إنِّي مختونٌ في اليوم الثامن، وأنِّي من بني إسرائيل، من سبطِ بنيامين، عبرانيٌ من العبرانيين. أما في الشريعة فأنا فرِّيسي، وفي الغيرة فأنا مُضطهِد الكنيسة، وأما في البرّ الذي ينال بالشريعة فأنا رجلٌ لا لوم عليه» (الآيات 5-6). فهو وعلى مثال شاول، أَوَّل ملوك إسرائيل والذي يحمل اسمه، ينحدر من قبيلة بنيامين إحدى القبائل التي بقيت أمينة لسلالة داوود. وعلى غرار الكثيرين من أبناء جيله، كرَّس بولس وقته كلَّه لعبادة الرب بطريقة تَعصُّبية عمياء. وكان مثل الكثيرين من اليهود يعتبرون انتماءهم للديانة اليهودية، امتيازاً لايمكن التنازل عنه. وهكذا حوَّلوا الشريعة والتوراة إلى صنمْ، وصاروا مستعبَدين له، مع كل النتائج المترتبة على خيارٍ كهذا.

      في معرض حديثه عن الحاضر، يستخدم بولس معايير تقديرية جديدة كسلّم للقيم حيث يقول: «إلا أنَّ ما كان في كل ذلك من ربحٍ لي عدَدتهُ خسراناً من أجل المسيح» (آية 7) وكذلك «بل أُعدُّ كل شيء خسراناً من أجل المعرفة السامية، معرفة يسوع المسيح ربي. من أجله خسرت كل شيء وعدَدت كل شيء نفاية لأربح المسيح» (آية 8). ونحن أيضاً مدعوون على غرار بولس أن نسأل أنفسنا: مَن وَضَعْنا في مركز حياتنا؟ مَن قرَّرنا وضعه في قِمةِ تطلُّعاتنا؟ فإن كان المسيح هو المحور وله الأولوية، فسيغدو لكلِّ شيء في حياتنا معنى وبُعدٌ جَديدان، يؤديان إلى نضوجنا الإنساني ونمونا في الحياة المسيحية.

      أما بالنسبة للمستقبل، فإن بولس لا يميل إلى الخيال، بل يفضِّل الرؤية الواقعية المرتبطة بالحاضر: «ولا أقول إني حصلت على ذلك أو أدركت الكمال، بل أسعى لعلِّي أقبضُ عليه، فقد قَبضَ عليَّ يسوع المسيح» (آية 12). ويبدو أن هذه الطريقة هي الأكثر صواباً، حتى بالنسبة إلينا في سعينا لتحضير مستقبلنا.

      ونجد في رسائل بولس، إلى جانب الرسالة الى أهل فيليبي، صفحاتٍ كثيرةٍ أخرى تتحدث عن سيرته الذاتية والتي تجدر بنا قراءتها بشكلٍ منتظم ومتتابع بعد الانتهاء من الخطوة الأولى. وهكذا سيكون من السّهل علينا قراءة الرسائل، الواحدة تلوى الأخرى، وفهم معناها العميق، إذا ما تآلفنا مع أسلوبه اللغوي ونموذج شخصيته الفريدة.

      ملاحظة أخرى يجدرُ بنا اعتبارها: إنَّ ما نحن مقدمون عليه، لن يكون مجرَّد عرضٍ لأحداثٍ من السيرة الذاتية لبولس، بل محاولةً لتقديم سيرةٍ ذاتية روحانية لرسول الأمم، بهدف معرفة هويته الحقيقية العميقة، التي اكتسبها انطلاقاً من حدث دمشق العظيم، وعبر مراحل تطور مستمر، مروراً بالمحبة الشديدة والاختبارات الروحية التي جعلته يتماهى مع المسيح سيده ومعلِّمه الوحيد.

أسئلة

- يعلِّمنا بولس كيف نقرأ المحطات الهامة من تاريخ حياتنا الشخصية على ضوء كلمة الله، فنشكر له هباته، ونطلب الغفران عن الإساءات والإهمال تجاهه. فهل نظرتك لماضيك هادئة، وهي موضوع شكر لله، أم أنّك تعاني من جراح ورفض، تؤثر سلباً على واقع عيشك للحياة الحاضرة؟

- هل حاولت كتابة سيرتك الذّاتية؟ ما هي الصعوبات التي تمنعك؟ وكيف يمكن تجاوزها؟

- هل مازلت تبحث عن أسلوب حياة مثالي وكمالي؟ ومَن وضعت في سلَّم أولوياتك؟

 

لقاء دمشق

      من الأمور التي تعلَّمتها، في معرض الدروس الكتابية حول بولس الرسول، هي الأهمية العظمى لحدث دمشق، ذلك اللقاء الرهيب بين شاول ويسوع الناصري، إذ لا يمكن فهم فكر بولس اللاهوتي دون العودة لهذا الحدث بالذات. لذلك سوف نحاول الدخول في عمق سرّ بولس، محاولين فهم فكره اللاهوتي ونعمة السرِّ الذي تجلَّى فيه. وبالتالي، نحن مدعوون لمسيرة إيمان كالتي سارها رسول الأمم. يحدِّثنا الكاتب نفسه عن خبرته بتعابير حارة ومؤثرة في رسالته إلى مسيحيِّي غلاطية. وتساعدنا هذه الشهادة الشخصية، على تكوين فكرة واضحة ودقيقة عن حدث دمشق، الذي يمكن اعتباره وحياً إلهياً (غل 1/16 apokalupsis)، ولقاءً قد غيَّر معالِم بولس الروحية، فمنذ ذلك الحين، شاول لم يعد شاول، بل تحوَّل إلى إنسانٍ جديدٍ وخليقةٍ جديدة، وإلى صديقٍ ليسوع ونذيرٍ للبشرى السَّارة، وأخٍ لكل إنسان.

      كتبَ أحدُ المتخصصين المعاصرين في روحانية بولس، ما معناه: لفهم اللاهوت البولسي، لا يكفي الانطلاق من طرسوس، المدينة التي ولد وترعرع فيها وتلقَّى تعليمه وتكوينه فيها. ولا حتى البدء من أورشليم، المدينة التي تربَّى فيها وتعرّف على الرسل الآخرين، خاصةً بطرس. ولا أنطاكية التي أصبحت ذات أهمية خاصة بالنظر إلى رحلاته الرسولية. لا شكّ أنه كان لتلك المدن أهميتها الخاصة في تكوين بولس وكلّها ساهمت بتنشئته الأخلاقية والروحية، ولكن لكي نفهم بدقة فكر بولس وتعلّقه بالمسيح وبسر الخلاص، لابدَّ من الإنطلاق من دمشق، المدينةُ التي تمثِّل أولى مراحل التنوير والتغيير الذي حدَّد فيما بعد مسيرة حياته كلِّها.

      إنَّ قراءةً مبسطة لحدثِ دمشق، الوارد ذكره في أعمال الرسل (9/1-19، 22/1-12، 26/1-23)، تضعنا بصلة مباشرة مع كلمة الله، بل مع ذاك الذي، من خلال الكتاب المقدس، يخاطبنا شخصياً بواسطة كلمته. وحينها سندرك أهمية لقاء دمشق في حياة بولس: صاعقة من السماء، أو من الأفضل القول، تدخلٌ عجيبٌ ومفاجئ لنعمة الله في حياته القاسية والمضطربة.

      في دمشق، أدرك بولس أنه بين المسيح والمسيحيين، كانت هناك وما تزال، هوية روحية وحيدة، تحمل طابع الأسرار، التي تكمن فيها أساس وجودنا ككنيسة. «أنا يسوع الذي أنت تَضطَهِده» (أع 9/5). إذاً، كان المضطَهَد هو يسوع في شخص أتباعه، أي في الكنيسة، التي هي جسده واستمرارية حضور إنسانيته على الأرض. إِنَّها عروسه الحبيبة، ولا يمكن فصلها عنه، كما لا يمكن فصل الكائن البشري عن جسده، ولا العريس عن عروسه، لأنّ ذلك سيكون عملاً غير مشروع ومرفوضاً تماماً. وهنا يكمن فكر بولس اللاهوتي.

      في دمشق أدرك بولس أن يسوع الناصري هو المشيح، أي المسيح الحقّ، ذاك الذي تكلَّم عنه أنبياء العهد القديم، على كونه مخلِّص البشرية جمعاء، لأنَّ الجنس البشري في كل زمان وكل مكان، خاضعٌ لعبودية الخطيئة، وينتظر من يحرِّره من قيودها. ومنذ أن عرف بولس حقيقة يسوع الإنسان والإله معاً، لم يعد بإمكانه الانفصال عنه، بل تعلَّق به بكل ما يملك من قوة، واندفَع نحوه بحبّ لا يفي به وصف، منطلقاً من قناعة راسخة أكيدة: «إنِّي عالمٌ على مَنِ اتكلتُ وموقنٌ أنه قادرٌ على أن يحفظَ وديعتي إلى ذلك اليوم» (2 طيم 1، 12).

      في دمشق أدرك بولس أنه حتى ذلك الحين كان يسلك طريقاً خاطئاً لا بدَّ من التخلِّي عنه. تلك كانت توبته، أي تخلِّيه عن حياة أسيرة الخوف والحقد، إلى حياة تنعم بالثقة والمحبة. «إلا أنَّ ما كان في كلِّ ذلك من ربحٍ لي عددته خسراناً من أجل المسيح، بل أعدُّ كل شيء خسراناً من أجل المعرفة السامية، معرفةِ يسوع المسيح ربي» (فل 3/7-8). كان اهتداء بولس خَارقُ العادة وقلَّما نجد مثيلاً له أو ما يماثله في تاريخ المسيحية عبر أَلفين سنة من الزمن وحتى يومنا هذا.

          في دمشق أدرك بولس وجوب تغيير حياته، والالتحاق الكامل والنهائي إيمانياً بشخص يسوع، ليكون هو وحده موضوع حبّه ومحور تبشيره. هذا ما نلمسه من رسائل بولس التي تعكس تماماً مَركزيَّة المسيح: «فإني لم أشأ أن أعرف شيئاً، وأنا بينكم، غير يسوع المسيح، بل يسوع المسيح المصلوب» (1 قور 2/2). إنَّ ما كان يصبو إليه بولس بكل قوته، ليس المسيح الاستعراضي (صانع المعجزات)، بل يسوع الذي يحمل في جسده سمات آلام الصليب. وكلُّ رأيٍ يتعارض مع هذه الرؤية، يرفضه بولس بشدة. وهذا ما يؤكده هو بنفسه، وإن بأسلوب آخر، في رسالته إلى مسيحيِّي قورنتس: «فإذا جاءكم أحد ينادي بيسوع آخر لم ننادِ به، أو قبلتم روحاً غير الذي قبلتموه، لكنتم احتملتُموه أحسنَ احتمال» (2 قور 11/4).

      في دمشق حصل بولس على نعمةٍ فهمَ بها أنَّ الشيء الأهم ليس تأكيد الذات على حساب الآخرين، بل بالأحرى هبة الذات محبةً بذاك الذي حُباً به نستطيع أن نحبَّ الآخر، أيّاً كان، فمحبة القريب لا يمكن فصلها عن محبة يسوع. بهذا الخصوص، ألَّف بولس «نشيد المحبة»، نشيداً يرتقي من خلاله إلى أعالي قمم الأَدبِ الصوفيّ: «المحبَّةُ تَصبر، المحبة تَخدُم، المحبة لا تحسد ولا تتباهى ولا تنتفخ من الكبرياء، ولا تفعل ما ليس بشريف ولا تسعى إلى منفعتها، ولا تَحنَقُ ولاتبالي بالسوء، ولا تفرح بالظُّلم، بل تفرح بالحق. وهي تعذر كلَّ شيء وتصدِّق كل شيء وترجو كل شيء وتتحمَّل على كل شيء. المحبة لا تسقطُ أبداً» (1 قور 13/4-7 .8).

      في دمشق أدرك بولس أن هناك يوجد شخصٌ يفوق كلَّ الكائنات سمواً، يستحق أن يُخدم ويُحبّ أكثر من جميع الأشياء ومن البشر كافةً، اسمه، أي شخصه، «يَفوقُ جميعَ الأسماء» (فل 2/9). وكان على بولس أن يُعلن هذا الاسم للجميع «كيما تجثو لاسم يسوع كلُّ ركبةٍ، في السماء وفي الأرض وتحت الأرض، ويشهدُ كل لسان أن يسوع المسيح هو الربّ، تمجيداً لله الآب» (غل 2/10-11). ومن هنا نلمس وجدان بولس الرسوليّ الذي يحمل يسوع (بالبشارة) إلى الجميع والجميع إلى يسوع.

 في دمشق كان بولس مرغماً على تغيير مسار حياته كلّياً، وقد حقق ذلك بطريقة حاسمة وقوية، مبيناً بذلك الانتصار المذهل لعمل النعمة الإلهية في حياته. ويمكن إيجاز ذلك كلّه بعبارة «لكن» التي استخدمها بولس وهو يسرد قصة اهتدائه في الرسالة إلى أهل غلاطية حيث يقول: «سمعتم بسيرتي الماضية في ديانة اليهود وكيف كنت أضطهد كنيسة الله بلا رحمة وأحاول تدميرها. ولكنَّ الله بنعمته اختارني وأنا في بطن أمي ودعاني إلى خدمته، وعندما شاء أن يعلن ابنه فيَّ لأبشر به بين الأمم» (غل 1/13-16). يَظن كل منا أنه قادر على رسم المشروع الذي يريد، ويتوهّم أنه بمفرده قادرٌ على فعل أي شيء، لكنَّ تدخُّل الله يغِّير الأشياء نحو الأفضل دوماً.

أسئلة

- هل اختبرت لقاء المسيح الحيّ في حياتك؟ متى وكيف وأين؟ وما هو التحوّل الذي حدث؟

- المشاريع التي تقوم بها في حياتك: درس، نشاط عائلي، نشاط كنسي، عمل ... إلخ. هل هي مشاريع الله لك؟

 

بولس في مجمع أورشليم

      حدثٌ في حياه بولس، لا بدَّ وأن نُعيره اهتماماً خاصاً، ونقرأه في الرسالة إلى أهل غلاطية وفي أعمال الرسل. ففي الرسالة إلى أهل غلاطية يَذكر بولس هذا الحدث بشكل لا يخلو من الجدليَّة القوية، أما في أعمال الرسل فيذكره لوقا بطريقة وصفية عابرة. إنه مجمع أورشليم (راجع غل 2/1-10 ، أع 15/1-35).

      أقول لا بدَّ من الوقوف عند مجمع أورشليم وذلك للأسباب الهامة جداً في حياة الكنيسة الأولى التي سبَّبت في انعقاده: هل الختان ضروري ليصبح المرءُ مسيحياً؟ ربما، نحن اليوم، لا نعير كبير أهمية لذلك الجدال، لكنَّ الأمر، بالنسبة لبولس، كان ذو أهميةٍ بالغة، لأنه لا يتعلق بشرعية ما بشَّر به بولس فحسب، بل وبالبُعد التبشيري في حياة الكنيسة آنذاك.
      باختصارٍ شديد، جرتْ الأمور مع الشكل التالي: في رحلته التبشيرية الأولى (راجع أع 13/1-14/28) كان بولس يَعظُ بضرورة الإيمان وحده لاعتناق الديانة المسيحية، لكن بعض المسيحيين من أصول يهودية عارضوه لحجّة ضرورة الختان، لذلك بَدت الحاجة ملحَّة لعقد مجمعِ أورشليم. وتمَّ الأمر بدعوةٍ من بطرس باعتباره الأول بين الرسل. فمن جهةٍ، كان هناك بولس، الذي صارت لديه بعض الخبرات في حقل الرسالة. وفي المقابل كان هناك يعقوب، مع لفيف المسيحيين المنحدرين من اليهودية. أمَّا الوسط، فقد كان ممَّثلاً ببطرس المُنتظر منه قول الكلمة الأخيرة. حصلَ هذا كلُّه، داخل الإطار المجمعي حيث قدّم كلٍّ من المشاركين رأيه، ثم تُبودِلَتْ الآراء مع الإخوة في الإيمان. ومن ثمَّ أُخذت القرارات النهائية، التي كانت ثمرةُ الصلاةِ والتفكير المُتأَنِّي لمن تَقع على عاتِقهم المسؤولية العليا في الجماعة.

          اشترك بولس في المجمع مع وفدٍ مثيرٍ للجدل في تشكيلته، وذلك لأنَّ طيطس لم يكن مختوناً، ومع ذلك فقد كان مسيحياً ممتازاً، وتلميذاً ومساعداً لبولس. اندلعت مناقشة بدأها بطرس ثمَّ يعقوب، في حين بقي بولس صامتاً ومصغياً. وفي الختام تمَّ الاتفاق على إرسال رسالة للإخوة المنحدرين من الوثنية، تشير عليهم بما يتوجَّب فعله، بعيداً عن فرض أي شيء عليهم، ما عدا أفعال الاحترام والمحبة تجاه الإخوة المنحدرين من اليهودية.

      مُعقِّباً على هذا الحدث كتب بولس: «على أنَّ رفيقي طيطس نفسه، وهو يوناني، لم يُلزمِ الختان، وإلا لكان ذلك بسبب الإخوة الكذَّابين المتطفِّلين الذين دسُّوا أنفسهم بَيننا ليتجسَّسوا حريَّتنا التي نحن عليها في المسيح يسوع فيستبِعدونا، ولم نُذعن لهم خاضعين ولو حِيناً لتبقى لكم حقيقةُ البشارة» (غل 2/3-5). لقد كان بولس واثقاً من صلاح العمل الرسولي، ولم يكن مستعداً بأي بشكل من الأشكال، للتنازل عن قناعاته تلك: كانت ثقتُه مبنيةً، لا على رأيه الشخصي، بل على حقيقةِ الإنجيل، ذلك الإنجيل الذي كُشفَ له على طريقِ دمشق.

      وفي صَدد الحديث عن المجمع، أشعر بواجب الإشارة إلى المجمع الفاتيكاني الثاني الذي احتفلت الكنيسة بنعمة انعقاده لأكثر من أربعين سنةً مَضتْ وحيث كان النقاشُ قي العمق أيضاً. ومنذ ذلك الوقت مرَّت الكنيسة الكاثوليكية بأوقات صعبة، وحتى يومنا هذا لم يأتِ اليوم الذي تنفَّذ فيه بشكل تام توصيات ذلك المجمع. لكن الأمر الذي يجدرُ ذكره هو أنَّ المجمع الفاتيكاني الثاني لا يهدف إلى القطيعة مع ماضي الكنيسة، ولا يجب تفسيره كذلك، بل على العكس، حقَّق تطوراً بيِّناً في مجال العقيدة والرعائيات في كنيسة الألفية الثانية للمسيحية ومازالت الفرصة متاحة لإعادة قراءته وعيش محتواه كعلامة تواصل بين الماضي والحاضر. هذا ما يؤكده، بطريقته النَّيرة المعتادة، البابا بندكتوس السادس عشر: «إن المشاكل المتعلقة بالتسليم (للوثائق المجمعية) بدأت في مناخٍ من التصادمٍ والاحتدام بين رؤيتَين تحليليتين للواقع نفسه. كانت الأولى سبباً في خلقِ جوٍ من الاضطراب والفوضى، أمَّا الثانية، فإنها بصمتٍ ولكن بشكلٍ مرئي ومستمر، حمَلت ثماره يانعة. فمن جهةٍ هناك تفسيرٌ، أرغبُ بتسميته، تحليلُ اللاتواصل والانقطاع، ومن جهة مقابلة هنالك تحليلُ الإصلاح والتجدد من خلال الاستمرارية في ذاتِ الشأن الموحِّد وهي الكنيسة».

      بالنسبة إلى كنيستنا، فإننا نتطلَّع إلى تجدُّدٍ ملموس في مختلف الميادين لنصلَ إلى: احتفالٍ ليتورجيٍّ أكثر مشاركة وأكثر إِثماراً. إلى معرفةٍ أعمق وأكثر روحانية لكلمة الله. إلى انفتاحٍ مسكونيّ أكثر رسوخاً. إلى تنشئةٍ مسيحية أكثر نقديةً. إلى مشاركةٍ في حياه الكنيسة أكثر منهجيةً. إلى طريقة صلاة أكثر جوهرية وتمحوراً حول الكتاب المقدس. إلى نشاطٍ إرسالي أكثر شمولية وأكثر عطاءً. إلى عملِ محبةٍ أكثر تأنياً وأكثر دقةً. وأشياء أخرى كثيرة.

      وبالاستناد إلى ما تقدَّم يمكننا القول، أنه ما يزال أمامنا الكثير من العمل كجماعةٍ كنسية، سواء في الأبرشية بشكل عام أو في الجماعات الرعوية بشكل خاص، لكي نقرَّ بعدم خضوعنا السلبي، بل بتقبُّلنا عن طيب خاطر للمجمع الفاتيكاني الثاني ومحاولة عيشه بالتزام كبير من قبل الجميع، كهنةً وعلمانيين. فلنجدِّد أيها الأحبَّة رغبتنا في التقرُّب من وثائق المجمع الفاتيكاني الثاني، لدراستها واستيعابها، فتصبح موضوعاً لقراءتنا الفردية والجماعية، نقيِّم على ضوئها عملنا الرعوي.

أسئلة

- ما هو أسلوب مواجهتك للأزمات (الشخصية والعائلية والكنسية والعمل والدراسة ...إلخ): الرفض أو الاستسلام، العنف والتشبُّث بالرأي؛ أم التفهّم والحوار والنَّقد البنّاء؟

- هل سمعت بالجيد الذي حمله انعقاد المجمع الفاتيكاني الثاني؟ كيف يمكننا، كأفراد وجماعات مسيحية، العمل على تعميق معرفتنا وعيشنا لوثائق وتوجيهات المجمع؟

 

 لاهوت محوريَّة المسيح

      من السهل التحقُّق أن الفكر اللاهوتي عند بولس هو نظري وعملي في آنٍ واحد. فهو يعلَم كيف يخوضُ في مشاكلَ لاهوتيةٍ معقَّدة ويعرضها بوضوحٍ منقطعِ النَّظير يستطيع من خلالها سَبرُ الحقائق التي يؤمِنُ بها. وبالمقابل يُبرهن على مقدرةٍ عملية عالية في البَحثِ وإِيجاد إثباتات تاريخيَّة ليُعطي الحقائق التي يعلِّمها متانةً وقوةً. ولكن، وقبل كل شيء يجب ألا ننسى، أن مِحورَ التَّفكير اللاهوتيّ لبولس هو يسوع المسيح بسرِّهِ الكُلِّي: المسيح الذي ظهر بالجسد وعاش بيننا، المسيح الذي مات وقام، المسيح الذي بُشِّر به الوثنيون، المسيح الذي آمن به العالم وصَعِدَ إلى السماء (راجع 1 طيم 3/16). في هذا السِّياق، أرى من الضروري الإشارة إلى قراءة وتأمُّل رسالتين لبولس تحملان طابعاً مسيحانياً بامتياز.

      الأولى هي الرسالة إلى أهل فيليبي: 2/5-11 حيث يستخدم بولس نشيداً ليتورجياً قديماً جداً ويقارن من خلاله الأحداثَ التاريخيةَ في حياةِ المسيح، ابتداءً من حياته داخلَ الثالوث الأقدس حتى تَمجِيده الأخير عبُوراً بموته وقيامته. إنه نشيدٌ للترنيم أكثر منه للقراءة، لكنَّه يشكِّل حَجراً كريماً يمكن أن يُرصَّع بهِ قانونُ إِيمانِنا.

      يُبيِّن لنا هذا النشيد كيف أنَّ سرَّ المسيح لا يمكن فصله عن سرِّ الثالوث الأقدس، وأنه لايمكن فهم مَن هو يسوع، إن لم نفهم من خلاله من هو الأب. هذا ما أكده بصريح العبارة يسوع نفسه: «ما مَن أحدٍ يعرفُ مَن الإِبنُ إِلاَّ الآب، ولا مَنِ الآبُ إِلاَّ الإِبن ومَن شاءَ الابنُ أَن يَكشِفهُ لَه» (لو 10/22). وفي النشيد عَينِه، يُحدِّثنا بولس عن سرَّ المسيح الذي يَكمُن خصوصاً في الحدثِ الفِصحيّ، أي بالموت والقيامة حيث ينكَشِفُ مجدُ الله، ذاك المَجد المُعَدّ للإبن ولكل المؤمنين به.

      ولعلَّ النقطة المركزية في النشيد تكمن في ثنائية الله-الخادم (العَبْد)، أَي في سرِّ تَجسُّد الله، كمقدمةٍ واستباقٍ للسرِّ الفِصحيّ: «فمعَ أنَّه في صورةِ الله ...، لم يَعُدَّ مساواته للهِ غنيمَة، بل تجرَّد من ذاته مُتخذاً صورة العَبد ... فوضعَ نَفسَهُ وأطاعَ حتى الموت، موتِ الصليب» (فل 2/6-9). وهنا يتجلَّى سرُّ المسيح، الذي هو في الوقت عينه إلهٌ وإِنسان، سيّدٌ وخادِم، ابنٌ وأَخ، راعٍ وحمل، متواضعٌ وعظيم، مطيعٌ وذو سلطة. يدعونا بولس لاعتبار تجسُّد الكلمة والحدثِ الفصحيّ، حدثين متلازمين أي متحدين لا يقبلا الفصل أبداً، كما عليه الحال في المخطَّط الإلهيّ.

      والثانية هي الرسالة إلى أهل قولسي 1/12-20: حيث نقرأ نشيداً للمسيح سيِّد الكَون، نشيداً واسعُ الأبعاد، نشيداً كَونياً لا يحتمل أبداً أيَّ محاولات للتضييق أو للتحجيم، إِذ يقترن سرُّ المسيح بسرِّ الكنيسة ويَصبُّ فيها. وحيث نرى أنَّ فعل التحرّر يشمل البشرية بأسرها وكلّ الأشياء المخلوقة وحيث تنسجم الطبيعة الإلهية للكلمة مع حسِّية السِّر الفصحيّ. وهذا يشكِّل وبحق خلاصةٌ لاهوتية للسِّر المسيحي والمسيحاني حيث يَعرضُ بولس، وبعبارات غنية بالحداثة، الإيمان ذاتَه بالمسيح السَّيد، معترفاً به كخالقٍ ومخلِّص، وكصورةٍ لله الذي لا يُرى وكرأسٍ للكنيسة، وكبكرٍ للقائمين وكمصالحٍ كونيّ. وعندما نتأمل ذلك فإنَّ نفسَ المُصلِّي تنفتح على آفاق لا حدَّ لها، فنحن لسنا أبداً بمفردنا، بل نحن ضمن جماعة كبيرة نسمو معاً إلى أبعد من حدود ذواتنا.

      أودُّ هنا أن أبيِّن أنه، بالنسبة إلى موضوع محورية المسيح عند بولس، أننا لسنا بصدد اختيار موضوع نظريّ ولا حتى عقائديّ، بل هو اختيارٌ حياتيّ عبَّر عنه بتعابير شخصية خاصَّة ولكنها دقيقة: «وإذا كنتُ أحيا الآنَ حياةً بشريَّة، فإنِّي أحياها في الإيمانِ بابنِ اللهِ الذي أحبَّني وجَادَ
بنفسهِ من أجلي» (غل 2/20). ونلاحظ أنَّ استعمال الضمير المُفرد الشخصي ( بينما في أفسس 5/2 يستعمل أنتم)، هو خير دليلٍ على الوَلعِ الذي أحبَّ به بولس يسوع، بعد أن أحبَّه يسوع حباً يفوق كلَّ وَصف.

          وهكذا يدعونا بولس جميعاً إلى أن لا نكتفي في التعبير عن إيماننا بعبارات إيمانية، وإن كانت دقيقة المضمون وذات طابع رسمي، بل لنَجعلنَّ من فعلِ الإيمانِ بيسوع، فِعلَ حبّ متجدِّد على الدوام. متمنِّياً علينا ألا تقتَصر صلاتنا على ترداد بعض العِبَارات بشكل شبه ميكانيكيّ، بل بطريقة ممتلئة بمشاعر الحبِّ الحقيقي تجاه الرب يسوع وأن نعبِّر عنها بشكل مباشر، بحسب المحبة التي تَضطرِم في قلوبنا. وحينها تصبح محبتنا شبيهةً بمحبة بولس، فتكونُ جواباً على محبة المسيح نحو الجميع: «لأنَّ محبَّةَ المسيحِ تأخذُ بمَجامعِ قلبنا وعندما نفكِّر أن واحداً قد مات من أجل جميع الناس ... ومن أجلهم جميعاً مات، كيلا يحيا الأحياء من بعدُ لأنفسِهم، بل للذي مات وقام من أجلهم» (2 قو 5/14-15). إذَّاك نعتبر أن كل شيء هو عطية: وحدها المحبة المُنسابة من قلب المسيح، والتي أُعطيت لنا كما لبولس، تساعدنا على محبة يسوع وعلى التحدُّث عنه لإخوتنا.

 

أسئلة

- ما هو أساس إيماني المسيحي؟ هل هو مجرّد أنني ولدتُ في عائلة مسيحية وتربَّيت، دون اختياري، على اعتناق الديانة المسيحية، أم هناك دوافع أخرى؟

- من هو المسيح بالنسبة لي؟ أَشخص ذو شهرة عالمية، أم مجرّد نبيّ كسائر الأنبياء؛ أم هو القدوس ابن الله الحيّ؟ وما انعكاس ذلك في حياتي؟

   

بولس المبشِّر

      يقودنا الحديث عن بولس بالضرورة إلى الحديث عن التبشير، إذ يمكن اعتباره بحقّ رائده الأول والأعظم. فمحبَّته للمسيح كانت ذا حجمٍ بحيث لا يمكنها أن تبقى مُخبَّأة أو صامتة، بل كان عليها أن تتفجَّر، وتتفجَّر بِدويّ. والبرهان على ذلك هي رحلاته الرسولية التي كانت تزداد مع الأيام مسافةً وصعوبةً وتأثيراً.

      لقد انشغل بولس، قبل أن تُكتب الأناجيل الأربعة، بمقارنة تعاليمه مع تعاليم الرسل الذين كانوا على قيد الحياة، ليعطي مصداقية لما كان مزمعاً أن يبشِّر به، كيلا يتعب دون جدوى
(راجع غل 2/2). فباهتمامه هذا برهن بولس على مدى الحاجة إلى الاتحاد بشركة الرسل في إعلان الإيمان الواحد، متحاشياً كلِّياً خطرين اثنين: الرغبة الجامحة في الحداثة أو خطر اتباع الأنبياء الكذبة.

      يمكن وصف الشغف الرسولي عند بولس بهذه الصفات: الأصالة والأمانة والمعاصرة لمختلف الظروف الاجتماعية والثقافية.

      الأصالة: تأتي في المرتبة الأولى، وذلك لأن بولس هو أَوَّل من كتب تعليماً عقائدياً (بالنظر إلى مواضيع عن المسيح والخلاص والكنيسة، إلخ...) متيناً واضح المعالم، وهذا ما سبَّب له أحباءً كُثر، ونقّاداً أيضاً. وقد يصل البعض إلى حدِّ القول بأن بولس هو من أَسّس المسيحية، وذلك لأنه أول من ابتدع نظاماً عقائدياً، وأحكاماً عملية تَجدُر بمؤسّسٍ لإحدى الديانات. وهذا بعيد كل البعد عن الحقيقة، لأن ما بشَّر به وعلَّمه وكَتَبه كان ثمرة وحي إلهي، متَّحدٍ بالتقليد الرسولي. وتتجلَّى أصالة بولس في أمور أخرى أيضاً، فهو الذي وجد في السِّر الفصحي للمسيح المائت والقائم، مفتاحاً لقراءة كل التاريخ، ابتداءً من تاريخ قصته الشخصية. وهذا ما أدركه، بفعل النعمة، على طريق دمشق، وقد عرف أن يترجمه بلغة متنوّعة، متحولاً بتدرُّج إلى شرح عقائدي، وتعليمي، ونصح ونقد، وأشكال أخرى متعدِّدة.

      وقد تجلّت الأمانة عند بولس في وَلعهِ الرسولي، لأنه كان يعتمد في كل تعليمه على الوحي الإلهي في دمشق، وفي الوقت عينه كان دائم الحذر ألاَّ يعظ خارجاً عن جماعة الرسل. وها نحن الآن نحلِّل الدليل القاطع على ذلك؛ فعند مقارنتنا تعليم بولس بالنصوص الإنجيلية، نجد انسجاماً عميقاً ورائعاً في فحوى المضمون والتعليم.

إنه لَرائع حينما نكتشف أن تعليم بولس، الذي استشهد في النصف الأول من الستينات، ينسجم مع الأناجيل التي كتبت بشكل تقريبي ابتداءً من السبعينات. وهذا دليل على وحدة المصدر الإلهي لكلتي الشهادتين. وقد تجلّت أمانته في الحفاظ على إيمانه بكل ما أُوتي من قوة، حتى في وجه الذين كانوا يريدون منازعته هذه الأوّليّة في الإيمان. فقد كتب بولس مقارناً بين خدمته وبين أولئك الذين يظنون أنهم رسل مثله: «وما أفعله سأفعله أيضاً لأقطع السبيل على الذين يلتمسون سبيلاً ليكونوا فيما به يفاخرون على مثالنا فيما به نفاخر»، ويتابع الرسول: «لأن هؤلاء القوم رسلٌ كذَّابون ورسلٌ مخادعون يَتزيَّون بزيِّ رسلِ المسيح» (2 قو 11/12-13). ويتابع القول: «هم خَدَمُ المسيح؟ -أقول قول أحمق- وأنا أفوقهم: أفوقهم في المتاعب، أفوقهم في دخول السجون، أفوقهم كثيراً جداً في تحمُّل الجلد، في التعرُّض لأخطار الموت مراراً (2 قو 11/23). فالشغف التبشيري عند بولس يصحبه اعتدادٌ صائبٌ بالنفس، لا يضرُّ على الإطلاق، بل يجعل الشهادة أكثر شفافيةً ووداعة. ونحن، لا يمكننا إلا الافتخار ببولس، كونه واحداً من «آبائنا في الإيمان».

      إنَّ ميزة رسولية بولس هي مواكبته للظروف الثقافية لمعاصريه، مجسِّداً بذلك ما يسمَّى اليوم بتثقيف الإيمان، أو تبشير الثقافة. فما من أحد كبولس، عرف إدخال روائع الإيمان المسيحي في الثقافة الإغريقية، ولا أحد مثله، عرف التحاور مع الثقافات المختلفة المعاصرة له، ولا أحد مثله عرف كيف يؤثِّر في الأوساط الثقافية لعصره، يونانية كانت أو يهودية. وعلاوة على ذلك، وبسبب الثقافة التي حصل عليها، فقد امتلك الوسائل المناسبة لإدخال آداب العهد الجديد، ليصبح بذلك جزءاً لا يتجزَّأ من آداب العصر. فرسولية بولس، عرفت طريق الحوار مع تعدُّد الشعوب وتَنوُّع الثقافات، وعرفت كيف تتأقلم مع الأشخاص والظروف المختلفة، وعرفت أساليب مبدعة لاكتشافٍ أفضل للحقيقة. ما أشدَّ الإثارة بمقارنة فنِّ الخطابة التي استخدمها بولس في ليسترا (راجع أع 14/15-18) وفي أثينا (راجع أع 17/16-31) الوثنيتين، بالتي استخدمها في بيئة ذات مَنشأ يهودي. أسلوبان مختلفان تماماً، لكنهما يكمِّلان بعضهما البعض ويلتقيان عند حاجة المستمعين، لمساعدتهم في الوصول إلى ميناء الحقيقة.

 

 

أسئلة

-       "إذهبوا وتلمذوا جميع الأمم..."، أين أنت من هذه الدعوة؟ ما هي الصعوبات والتحدِّيات التي تواجه البشارة في زمننا المعاصر؟

-       الأصالة والأمانة والمُعاصَرة، سمات ميَّزت بشارة بولس الرسول. وماذا عن البشارة اليوم؟

  

 

2009-08-14
إلى الأعلى
Copyright © 2007 Franciscan Fathers in Syria. All rights reserved.
Web by SayesCo.