|
كلامٌ لا يقبل مساومة

إنّ موقف التلاميذ يعبر عن اضطرابٍ وضياع: "هذا كلامٌ صعب ! من يستطيع سماعه ؟". لكنّ يسوع لم يتردد بان يجيبَ بسؤالٍ يجعل الموقف أصعب: "وكيف لو رأيتم ابن الإنسان يصعد إلى حيث كان قبلَ"، أي بمساواته بالله. كما حدثَ فعلاً حين صعوده على السماء، وجلوسه عن يمين الآب. ثمَّ يقول إنّ كلامي روحٌ وحياة، إذ إنّ الروح القدس هو روح الله الذي يحقّق ما أقول، لأنّه يمنح الحياة من خلال كلامي. هو الذي سيمنحُ أيضاً جسدي للمؤمن، فيحوّله على حياة، لأنمّي أنا الحياة، فمن يأكلني يحصل على حياتي، التي ليست سوى حياةٍ إلهيّة وأبديّة.
.jpg)
"غير أنّ بينكم من لا يؤمن، يواجه الربّ الجمهور وتلاميذه بهذه العبارة. فهو يطلب من تلاميذه الإيمان به وبأقواله أكثر من الفهم بما يقول.
لأنّ الإنسان يبقى عاجزاً على فهم الأمور الإلهيّة. ولذلك، يُطلب منه قبول كلامه بلا تردّد، والعمل به باقتناعٍ تام، لانّ كلامه يهب الحياة بما
يحمل من حبّ وحقّ، لكونه هو الحبّ اللاّ متناهي والحقيقة المطلقة، ولهذا السبب، لا يجوز لنا أن نناقش الله بما يقوله وما يفعله؛ كما لا يجوز
أن نشكّ بصحته، وأنّه يقوم به لخيرنا. بل علينا أن نقبله بفرحٍ وسرور، ونسرع إلى العمل بهِ، وكلّنا ثقة بأنّه سيتحقق بحذافيره لخير الذين يحبونهُ.
لنا حقٌ وعلينا واجب معرفة إرادته تعالى، ولكنّ بموقفٍ متواضع، وبلا ادعاء معرفة الأمور الإلهيّة. فكان ابتعاد بعض التلاميذ عن يسوع،
مصدرهُ عدم فهم كلامه، ورفضوهُ لادعائهم فهم كلّ شيء ليقبلوه. وهذا ما يحصل أيضاً اليوم، وللسبب عينه ينغلق إنسان اليوم على عمل الله
السامي فينعزلن ثمّ ينفصلُ عنه نتيجةً لذلك. ومن يبقى بعيداً عنه يكون نصيبه الظلمة البرانيّة.
لنتساءل معاً: هل يدرك الإنسان كلّ ما يدور حولهُ ؟ . . . . وهل يدرك خاصّةً سر الحياة والموت ؟ . . فلا بدّ أن يكون الجواب بالنفي. فكيف يدعي حتميّة إدراك أسرار الله ليقبلها ؟ . . . . غير أنّ يسوع يدعو الإنسان إلى الإيمان به، لقبول أقواله وأعماله التي تعود عليه بالخلاص : "الكلام الذي كلّمتكم به هو روحٌ
وحياة، ولكن فيكم من لا يؤمنون". وإجابةً على ذلك، يعطينا الإنجيل نموذجاً على كيفيّة قبول المسيح، من خلال القديس بطرس: "يا ربّ،
إلى من نذهب، وكلام الحياة الأبديّة عندك؟ ونحن آمنّا وعرفنا أنّك قدّوس الله." (يو 69،6). لا بدّ إذاً من ثقةٍ كاملة بهِ حيث يتوقف العقل،
ومن التسليم بصحّة كلامه، لأنّه يعرف الحقيقةَ كاملة دونما نقصان، ولأنّه يحبّنا بحبّ لا حدود لهُ، فلا يغشّ ولا يخدَع.
وهو وحده الذي يقود الإنسان إلى حضن الآب. إنّ سر القربان الأقدس، يقودنا إلى مشاركة الرب بحياته الذاتيّة. إذ إنّها هبةٌ مجانيّة نابعة
من حبّه الإلهيّ، وما علينا إلاّ تقبُّلها بصدرٍ رحب، وقلبٍ مفعم بالشكر والامتنان. وبأمانةٍ وإخلاصٍ أيضاً مدى الحياة.
|